محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
169
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وفي حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال اللّه عزّ وجل : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني في واحدة منهما ألقيته في النار » « 1 » . ومعنى المنازعة : الدعوى قولا وعبارة ، والإضمار فعلا وإشارة . ومعنى الغيرة في حقّه تعالى : أن لا يرضى بمشاركة غيره له فيما اختص به من صفات الربوبية ، وفيما هو حق له من الأعمال الدينية . وإذا كان الحق تعالى مانعا لك ومحرّما عليك أن تدّعي ما ليس لك مما أعطى المخلوقين من الأموال ، ومسميا ذلك ظلما وعدوانا ، فكيف يبيح لك أن تدّعي وصفه وهو ربّ العالمين ، لا شريك له في ذلك ولا أنت ولا غيرك ! ! فهو إذن من أعظم الظلم ، وأشدّ العدوان ، عافانا اللّه من ذلك . قلت : وهذا المعنى الذي ضمّنه المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، في هذه المسألة هو الغرض الأقصى الذي هو مرمى نظر الصوفية ، وكلّ ما صنفوه ودوّنوه ، ونهوا عنه من أفعال وأقوال وأحوال إنما هي وسائل إلى هذا المقصد الشريف ، والمقام المنيف . فشأنهم أبدا إنما هو العمل على موت نفوسهم وإسقاط حظوظها بالكلية ، كما قيل : الصوفيّ دمه هدر ، وملكه مباح . وليس ذلك هو المقصود لهم بالذات ، وإنما غرضهم من ذلك ما يلزم عنه من انفراد اللّه تعالى عندهم بالوجود ولوازم الوجود انفردا لا يشاركونه في شيء منها البتة ، كما ذكرناه آنفا . وهذا هو « كيمياء السعادة » الذي أعوز أكثر الناس ، ولم يحظوا منه إلّا بالإفلاس ؛ إذ بذلك يستحق المرء عبودية اللّه عزّ وجل الذي لا مقام للعبد أشرف منه ، كما قال الشاعر : ألست لي خلقا مني ، كفى شرفا * فما وراءك لي قصد ومطلوب ولهذا المعنى كانت عندهم دقائق خطرات الحظوظ وخفيّات هواجس « 2 » الهوى . وكلّ ما يقتضي بقاء حظّ النفس وثبوتها من محبة المقامات وإيثار الألطاف والكرامات ذنوبا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة ، 55 ، 1 ، 2 ) ، ( توحيد ، 24 ) ، ومسلم ( إيمان ، 296 ) ، والترمذي ( جنة ، 3 ) ، وابن ماجة ( مقدمة 13 ) ، والدارمي ( رقاق 101 ) ، وأحمد بن حنبل ( 4 ، 411 ، 416 ) . ( 2 ) الهواجس : ( ج ) هاجس : الخاطر .